ابن عجيبة

8

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

مع اتفاق الماء الذي تسقى به . وذلك مما يدل أيضا على الصانع القادر الحكيم ، فإن إيجادها ، مع اختلاف الأصول والأسباب ، لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار . وفيه رد على الطبائعيين . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ : يستعملون عقولهم بالتفكر والاعتبار ، فيدركون عظمة الواحد القهار . الإشارة : ذكر أولا سماء الأرواح ، وما يناسبها من أنوار التوحيد وأسرار التفريد ، وذكر هنا أرض النفوس ، وما يلائمها من جبال العقول وأنهار العلوم ، فقال : وهو الذي مد أرض النفوس ، وجعل فيها جبالا من العقول الشامخة ، حتى أدركت الصانع ، وتحققت بوجوده ووحدانيته ، بالدلائل الواضحة ، والبراهين القطعية . وأنبع منها أنهارا من العلوم الرسمية ، والرقائق الوعظية . وجعل فيها من كل صنف ؛ من ثمار ما جنت بمجاهدتها صنفين اثنين : قبضا وبسطا ، منعا ووجدا ، ذلا وعزا ، فقرا وغنى . يغشيانها غشاء الليل للنهار ؛ فإذا كان ليل القبض غشيه نهار البسط ، فيزيله ، وإذا كان المنع ، غشيه الوجد ، وإذا كان الذل غشيه العز ، وإذا كان الفقر غشيه الغنى ، وهكذا . ودوام حال من قضايا المحال . وفي أرض النفوس أيضا قطع متجاورة ، مع اختلاف ألوانها وطبائعها ، وعلومها ومعارفها ، ومواجدها وألسنتها . وفيها أيضا جنات المعارف - إن اتصلت بطبيب عارف - من أعناب الحقائق الناشئة عن خمرة الأزل ، وزرع الشرائع الناشئة عن الكسب والتحصيل ، ونخيل الأذواق والوجدان ، صنوان وغير صنوان - يعنى من تعتريه الأحوال ، ومن لا تعتريه لكمال رسوخه ، تسقى بخمرة واحدة ، وهي الخمرة الأزلية ، على أيدي الوسائط ، أو بلا وسائط ، وهو نادر . ونفضل بعضها على بعض في الأذواق والوجدان ؛ فترى العارفين بعضهم قطب في الأحوال ، وبعضهم قطب في المقامات ؛ كان الجنيد رضى اللّه عنه قطبا في العلوم ، وكذا الشاذلي والجيلاني والغزالي ، وأمثالهم . وكان الشيخ أبو زيد قطبا في الأحوال ، وكان سهل التستري قطبا في المقامات . والأولياء كلهم لا يخرجون عن هذا التقسيم ، كل واحد وما يغلب عليه ، مع مشاركته لغيره في الثلاث « 1 » . واللّه تعالى أعلم . ولما ذكر دلائل قدرته ذكر وعيد من أعرض عنها حتى أنكر البعث ، فقال : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 5 ] وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 )

--> ( 1 ) هذه الإشارة ينبغي أن تتضمن توجيها : لدراسة الكون دراسة علمية ؛ والاستفادة في ذلك في إعمار الأرض ، وإنقاذ المسلمين من التخلف العلمي والحضارى ، ومن التبعية لحضارة الغرب المادية ؛ فانظر إلى قوله تعالى : ( يتفكرون ) ، ( يعقلون ) ومتعلقهما ، أعنى : الأرض ، والرواسي ، والأنهار ، والنبات ، والري . . وغير ذلك ، كيف غفلنا نحن المسلمين عن التفكر ، والتعقل في هذه الموضوعات ؟ وما العلم الطبيعي إلا مبنى على هذا الأصل ، فلله الأمر من قبل ومن بعد .